أظهر مسؤولون في معاهد ومراكز أبحاث طبية بريطانية، شهية مفتوحة لرفد قطاع الرعاية الصحية في الإمارات بأحدث التكنولوجيات الطبية، من خلال افتتاح مكاتب تمثيلية تنهض بمسؤولية الترويج لهذه التكنولوجيات، إلى جانب تأسيس أفرع تقوم بنقل الخبرات والمعارف لتكون بمثابة قيمة مضافة تسهم في ملاحقة القطاع الصحي في الدولة للتطورات التكنولوجية المتسارعة في مجال الرعاية الطبية.
وتتضافر عوامل متعددة تسهم في زيادة انفتاح شهية الشركات البريطانية على زيادة مساهمتها في سوق الرعاية الطبية في الدولة، منها قوة الالتزام الحكومي بضخ المزيد من الاستثمارات في هذا القطاع الحيوي، وتزايد أعداد السكان بما يصاحب ذلك من زيادة الطلب على خدمات الرعاية الطبية، وتبني حكومة دبي خططا ترمي إلى توطيد مكانتها كمركز للرعاية الطبية من خلال إطلاقها لمدينة دبي الطبية ومجمع دبي للتقنيات الحيوية والأبحاث «دبيوتك» العضو في تيكوم للاستثمارات.
فمن جانب، قال اللورد دارزي رئيس معهد الابتكار في مجال الصحة العالمية الكائن بـإمبريال كوليدج خلال لقائه مع ممثلي وسائل الإعلام العربية أن المعهد مهتم بفتح فرعا له في مجمع دبي للتقنيات الحيوية والأبحاث «دبيوتك» وأضاف بقوله : نحن نرحب بأي دعوة لافتتاح فروع للمعهد في دول الخليج بما في ذلك دولة الإمارات وسوف نرحب بأي دعوة نتلقاها في هذا الصدد، فنحن نريد توطيد علاقتنا في هذا المجال مع دول الخليج .
وكشف اللورد دارزي عن أن الجانب البريطاني قد قدم مقترحات للتوسع في منطقة الخليج خلال زيارة ديفيد كاميرون رئيس الوزراء البريطاني لمنطقة الخليج في فبراير الماضي، مؤكداً أن امبريال كوليدج منفتحة على أي مقترحات للتوسع.
ثمار المشاركة
ويذكر في هذا المجال أن مركز إمبريال كوليدج لندن للسكري بأبوظبي يعد ثمرة بين شركة مبادلة للتنمية وإمبريال كوليدج لندن في المملكة المتحدة، ويعتبر المركز المملوك بالكامل للشركة رائداً على مستوى المنطقة في ما يخص التعامل مع مرضى السكري بطريقة متعددة الجوانب مدى الحياة، ويوفر مركز إمبريال كوليدج لندن للسكري للمرضى أعلى مستويات الرعاية الصحية المتخصصة ابتداء من التشخيص الأولي إلى التعامل مع المضاعفات المرتبطة بداء السكري.
وبحسب أرقام امبريال كوليدج، ترتفع نسبة الإصابة بمرض السكري في منطقة الخليج، وتحل الإمارات في المرتبة الأولى بنسبة إصابة تصل إلى 18.7 % من إجمالي تعداد السكان، بينما تبلغ في السعودية 16.8 % وقطر 15.4 % ومصر 11.7 % .
وعلى نفس المنوال، أعرب البروفيسور بإمبريال كولديج تيموثي إسبيرسون، عن الاستعداد لفتح بنوك حيوية في دول الخليج، بما في ذلك الإمارات، وذلك على غرار البنك الحيوي القطري الذي تم افتتاحه رسمياً في يونيو من العام الجاري، وهو يعد مبادرة مشتركة تجمع بين مؤسسة حمد الطبية ومؤسسة قطر و«إمبريال كوليدج لندن»، ويتمثل الهدف الرئيسي لإنشاء البنك الحيوي في قطر، في تأسيس مجموعة من البيانات والعينات البيولوجية التي توفر الأساس اللازم للأبحاث التي تجري في المراكز التابعة لمعهد أبحاث الطب الحيوي في مؤسسة قطر، وغيرها من المؤسسات البحثية الأخرى في دولة قطر، وتشتمل بعض المواضيع البحثية التي يجري استكشافها على الأمراض الشائعة بين المواطنين في قطر ودول مجلس التعاون الخليجي، خاصة مرض السكري وأمراض القلب والأوعية الدموية والسرطان.
وفي السياق ذاته، تم إطلاق مركز الجراحة الروبوتية في قطر، وذلك بالتعاون مع إمبريال كوليج بلندن؛ بهدف تعزيز وتطوير البحوث الطبية العملية في هذا المجال في كل من دولة قطر والمملكة المتحدة، ويركز مركز الجراحة الروبوتية في قطر على ثلاث أنشطة محورية، أولها أن المركز سيكون مسرحاً لاختيار وإثبات التكنولوجيات الجراحية المتقدمة بفضل معداته الحديثة وتجهيزاته المتطورة كمحاكيات مناظير الجهاز الهضمي إضافة إلى قدرات التسجيل والمتابعة التلفزيونية ثلاثية الأبعاد. في الوقت ذاته، يوفر مركز الجراحة الروبوتية في قطر مجموعة واسعة من برامج التدريب على علوم الروبوت والأجهزة الآلية الخاصة بالجراحين وأخصائيي الرعاية الصحية إضافة إلى العلماء والمختصين من الأطباء.
البنوك الحيوية
وتحدث البروفيسور إستيف بلوم في إمبريال كلويدج عن أهمية إنشاء بنوك حيوية في الخليج قائلاً: إن فكرة إنشاء البنك ضرورية ورائدة، حيث تحتاج منطقة الخليج مواكبة التطورات في كافة المجالات وخاصة في مجال الطب، وبالتالي، نحن لدينا الخبرات التي تؤهلنا لتأسيس بنوك حيوية في أي من دول المنطقة.
وتابع حديثه بقوله: يعتبر بناء شبكة متكاملة لتكنولوجيا المعلومات أحد المكونات الرئيسية للبنك الحيوي، فعلى سبيل المثال، يستلزم معرفة الآثار الصحية للهواتف النقالة إجراء دراسات تتمحور حول سلوكيات الأفراد.
وعلى نفس المنوال، قال البروفيسور مارتين بيرشال في يونيفرستي كوليدج لندن عن الاستعداد لتقديم الخبرات في مجال تطوير سياسات الوقاية الصحية لدول منطقة الخليج، مشيراً إلى أهمية الاستثمار في الوقاية المبكرة من الأمراض.
ويأتي هذا الاستعداد البريطاني لتعظيم مساهمته التكنولوجية في تطوير قطاع الرعاية الصحية الإماراتي انطلاقاً من حقيقة امتلاك بريطانيا قاعدة أبحاث في العلوم الحيوية والطبية تعد الأغزر إنتاجاً في العالم، وبحسب بيانات هيئة التجارة والاستثمار البريطانية، يتم إجراء 35 % من مجمل التجارب الإكلينيكية في مجال الأدوية الحيوية، وتستقطب المملكة المتحدة نحو 10 % من التمويل العالمي للبحوث والتطوير في مجال الأدوية، كما تحتضن أربعاً من أصل ستة من أعرق الجامعات بالعالم. كما تمتلك المملكة المتحدة أغزر قواعد الأبحاث إنتاجاً من بين دول مجموعة الثماني الصناعية الكبرى، كما أن الاستثمار الحكومي في البحوث الصحية والطب الحيوي في المملكة المتحدة أدى لرفع التمويل إلى ما يفوق 1.7 مليار جنيه استريني في عام 201011.
الفرص الواعدة
ويبدو أن تصويب المعاهد الطبية البريطانية بوصلتها الاستثمارية نحو دولة الإمارات ينطلق من حسابات تؤكد أن قطاع الرعاية الصحية في الدولة يحفل بالكثير من الفرص الواعدة لمختلف الشركات، بما في ذلك الشركات البريطانية، فمن شأن تزايد عدد السكان وإعطاء الحكومة أولوية بالغة للارتقاء بالخدمات الطبية والصحية، أن يتيح مجالاً رحباً لمزودي الخدمات الصحية والطبية.
من جانب، تتجه الجهود نحو توسيع الرعاية الصحية بالداخل، خصوصاً في ظل الالتزام القوي بجعل الاستثمار المكثف في هذا القطاع على قمة الأولويات، وفي هذا المجال، تتوقع هيئة التجار والاستثمار البريطانية بأن تصل قيمة قطاع الرعاية الطبية في الإمارات إلى 12 مليار دولار بحلول عام 2015. وبحسب دراسة حديثة أعدتها شركة بروليدز، المتخصصة في مجال الأبحاث الخاصة بالمشاريع ومقرها دبي ذكرت أن قيمة الاستثمارات الحالية في المشاريع الطبية والرعاية الصحية في دول مجلس التعاون الخليجي بلغت 14 مليار دولار أميركي موزعة على مختلف المشاريع الطبية بما فيها بناء مستشفيات ومشاريع خاصة ببرامج الرعاية الصحية يجري بناؤها في الوقت الحاضر بتمويل حكومي أو من قبل القطاع الخاص أو عن طريق التمويل المشترك ووفقاً للدراسة تستحوذ الإمارات على 2.9 مليار دولار من المبلغ المذكور، وتوقع كذلك تقرير صادر عن ماكينزي أن يتضاعف الطلب على أسرة المستشفيات في عام 2025 ليصل إلى 165 ألف سرير، أي بزيادة تبلغ 240 %، كما ستزيد كلفة الرعاية الطبية إلى نحو 60 مليار دولار بحلول عام 2025.
ولقد نجحت مدينة دبي الطبية التي قدرت كلفة إنشائها بـ8.1 مليار دولار في أن تكون الكيان الطبي الأول والرائد في المنطقة لتستطيع بذلك تأسيس علاقات راسخة مع أبرز المؤسسات الطبية في العالم التي حرص العديد منها على أن تكون مدينة دبي الطبية مقراً لأولى فروعها العالمية بهدف توفير خدمات طبية راقية، فضلاً عن توسيع قاعدة الكوادر البشرية العاملة في قطاع الرعاية الصحية ونشر الثقافة العلمية من خلال الأبحاث والدراسات التطبيقية.
وفي نفس السياق، تركز إمارة أبوظبي على توسيع شبكة العيادات الكائنة في المجتمعات الواقعة خارج المراكز الحضرية، ولقد تأسست شركة أبوظبي للخدمات الصحية (صحة) كشركة مساهمة عامة مستقلة بهدف إدارة وتطوير الأنشطة العلاجية في المستشفيات والعيادات العامة في إمارة أبوظبي. وتمتلك (صحة) وتدير 12 مستشفى تضم نحو 2644 سريراً مرخصاً، وأكثر من 62 مركزاً للخدمات العلاجية الخارجية والأولية، والرعاية المستعجلة، إضافة إلى بنكي دم. وتعد شركة (صحة) واحدة من أكبر مزودي خدمات الرعاية الصحية المتكاملة في منطقة الشرق الأوسط بفضل شبكة موظفيها التي تضم أكثر من 17،000 طبيب، وممرضة، ومساعد طبي وإداري. كما دخلت شركة (صحة) بشراكات عدة مع عدد من كبرى مؤسسات الرعاية الصحية المعروفة عالمياً والقادرة على توفير خيارات مختلفة من أنظمة العناية الصحية الراقية بالنسبة للمقيمين في إمارة أبو ظبي.
ومن جانب ثالث، تعمل دبي على توطيد مكانتها كمركز للرعاية الطبية، وبحسب تقرير صدر مؤخر عن شركة «إثمار كابيتال» بعنوان «تحديات الرعاية الصحية في منطقة الخليج 2050: التوسع والدمج والدعم»، فإنه من المتوقع أن تحتاج دول مجلس التعاون الخليجي إلى أكثر من 138 ألف سرير ونحو 140 ألف طبيب، وما يزيد على 227 ألف ممرض بحلول العام 2050، للحفاظ على مستوى الرعاية الصحية الحالي في دول المجلس.
وهكذا، تنطلق الحسابات البريطانية في استهداف سوق الرعاية الطبية الإماراتي من أسس قوية تعبر عن زيادة جاذبية هذا القطاع الحيوي مختلف الشركات واللاعبين في القطاع الصحي، وهو ما يؤكد صواب التوجه الاستراتيجي نحو جعل الإمارات قاعدة انطلاق لأعمال مزودي الخدمات الطبية على مستوى دول الخليج، وهو الأمر الذي من شأنه أن يرفع من مساهمة قطاع الرعاية الطبية في الناتج المحلي الإجمالي بحيث يكون دليلاً آخر على نجاح استراتيجية التنويع الاقتصادي.




