وصلت اختراقات "الفضاء الالكتروني" إلى الخطوط العسكرية الحمراء. فتطور أنظمة وحصانة البرامج والانترنيت، لم يقو على منع عمليات السطو المجهول فاعلها، على خفايا الكمبيوتر وأسراره الاستراتيجية الأكثر حساسية. ما بدأ هواية يمارسها القراصنة الماهرون في عبور دهاليز الشبكة العنكبوتية وفك رموزها للتخريب ونشر الفيروسات، تحول إلى مهنة لسرقة المعلومات منها على خلافها. ثم تحولت إلى أداة تجسس خطيرة، قد تتسبب بتفجير مواجهات وحروب. وما كشفت عنه "بنتاغون" أخيرا مع التحذير باستخدام القوة، ربما كان أول الغيث في هذا الخصوص.
خلال الإعلان الأخير عن الإستراتيجية الجديدة لحماية "الفضاء الالكتروني" الأميركي، والعسكري منه بالتحديد، كشف نائب وزير الدفاع الأميركي أنه خلال السنوات الماضية، تعرّضت ملفات خاصة بصناعات عسكرية بالغة الدقة والأهمية، للسرقة عبر الإنترنيت. آخر حلقة من هذا المسلسل حصلت، كما قال، في مارس الماضي وكانت الأكبر والأخطر. فقد تمكنت استخبارات إحدى الدول الأجنبية من اختراق كمبيوتر واحدة من كبريات شركات التصنيع الحربي الأميركي وحصلت، في غزوة واحدة، على 24 ألف ملف تتضمن معلومات وتصاميم عن أسلحة وتكنولوجيا جديدة متنوعة للجيش الأميركي.
شملت صواريخ وأقمارا صناعية وطائرات استكشاف من غير طيار وأحدث طراز من المقاتلات الجوية، مع نماذج متقدمة من منظومات الاتصالات والملاحة الجوية الحربية. عملية غير مسبوقة، قد تفرض إعادة النظر في تصاميم هذه المعدات ومواصفاتها. المقلق بالنسبة للبنتاغون، انها قد تكون بداية تقليص الهوة بين تفوق الآلة العسكرية الأميركية وبين غيرها، إذا ما استمر مثل هذا السطو التجسسي.
خاصة لصالح الصين التي تزداد موازنتها العسكرية لأغراض الأبحاث والتسليح بوتيرة متسارعة، طالما استوقفت خاصة في الآونة الأخيرة سائر الدوائر الأميركية المعنية بشؤون الأمن القومي والمعادلات الإستراتيجية الدولية. وهناك أيضا خشية حسب المسؤولين الأميركيين، من انتقال تقنية الاختراق إلى دول معادية لأميركا، مثل كوريا الشمالية ، أو تصل في نهاية المطاف إلى أيدي مجموعات تصفها واشنطن بالإرهابية ".
الشبهة في مجال التغلغل الالكتروني هذا كانت تحوم عادة فوق الصين أو روسيا. لم يتهم البنتاغون صراحة أي منهما لفقدانه الأدلة. فما زال من المتعذر حسب الخبراء، ضبط هوية الجهة الفاعلة. لا في السابق ولا في المرة الأخيرة. فقط يمكن تحديد المنطقة أو القارة التي انطلقت منها عملية الاختراق. ثمة فجوة في الأمن الالكتروني، سمحت بكسر الحواجز والمفاتيح. ويبدو أن التغلب عليها غير ميسور بصورة فورية.
إستراتيجية التحصين التي أعلن عنها البنتاغون، يلزمها بعض الوقت، هذا إذا أمكنها سدّ كل المنافذ وردع كافة محاولات الوصول إلى الأسرار العسكرية الحساسة. الأمر الذي يترك الساحة مكشوفة أمام المتخصصين في طرق التسلل إلى عالم الانترنت. من هنا كانت لغة التهديد الصريح " بإمكانية الردّ على انتهاكات الفضاء الالكتروني بعمل عسكري. فمن يقتحم هذا المجال يعرّض نفسه للخطر والكلفة كبيرة " على ما قاله نائب رئيس الأركان الجنرال كارترايت.
لأول مرة يصل الخطاب في هذا الخصوص إلى لغة الإنذار مما يمهد لنشوب نزاعات من صنف جديد. اندلعت الحروب تاريخياً، لأسباب ودوافع وخلافات قائمة على الأرض. الآن تطل مرحلة جديدة غير مسبوقة، تهبط فيها شرارة النزاعات من فوق ليتم حسمها من الأسفل. التوجه نحو عسكرة الفضاء، بصورة أو بأخرى، يعود إلى بداية ثمانينات القرن الماضي، عندما طلعت إدارة الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان بفكرة " حرب النجوم ". لكن سرعان ما جرى التراجع عنها، بعدما تبيّن أنها أقرب إلى الهلوسة، من الناحية التكنولوجية. ثم بعد نهاية الحرب الباردة هبط الطموح إلى حدود " الدرع الواقي " ونصب شبكته في شرق أوروبا. ومع مجيء الرئيس أوباما، انتهى، في ضوء الاعتراضات الروسية والصعوبات السياسية والمالية، إلى التعليق وحتى إشعار آخر.
الآن يعود الفضاء كساحة مرشحة لعمليات كرّ وفرّ غير مرئية. لكنها قد تؤدّي إلى مصادمات ميدانية، في آخر المطاف. أو على الأقل، إلى تأزم جديد في العلاقات الدولية. خاصة بين الكبار، القادرين على التجسس الالكتروني، وعلى رأسهم واشنطن وموسكو وبكين. خاصة وأن الغزو الالكتروني المتبادل، صار صنعة مألوفة. تجسس خفيف ومستور وفعّال. ولا يبدو أن إغراءاته ستتراجع أمام مجازفاته. التوافق على دور ملزم للأمم المتحدة ربما يكون بمثابة صمام الأمان المطلوب للحيلولة دون الانزلاق إلى صراعات تهبط على العالم من فوق.
غير مصنف








