لا يكاد يمر اسبوع دون ان تنشر الصحف التونسية خبرا او تحقيقا عن الاخطاء الطبية التي تعرفها مشافي ومصحات البلاد، فالهام ( 34 عاما ) توفيت بسبب ضمادة نسيها الاطباء في داخل رحمها بعد ان اجروا لها عملية قيصرية اثناء الولادة بمستشفى في صفاقس، وفي اكتوبر الماضي نشرت وكالات الانباء خبر سيدة من مدينة طبربة المجاورة للعاصمة، اكتشف الطبيب انها كانت تحمل داخل بطنها مقصا نسيه الاطباء منذ 11 عاما نتيجة اهمال طبي خلال عملية، وكانت تشعر بالام مستمرة.
وكلما ذهبت الى طبيب, كان يصف حالتها بانها تعاني من جرثومة في الامعاء. يأتي ذلك في حين تستعد الدكتورة زهرة كشيد الجربوعي اخصائية القلب والشرايين ,لاصدار كتاب تفضح من خلاله ما يدور بالمستشفيات التونسية من اهمال صحي واخطاء طبية غير مبررة وفساد مالي واداري .
وحسب الاحصائيات الرسمية تصل سنويا الى عمادة الاطباء اكثر من مائة عريضة او شكوى منها ما يتعلق بالاخطاء الطبية، وتعمل على دراسة جميع الملفات تأديبية كانت أو غيرها دون استثناء بحضور الطبيب أو الأطباء المشتكي عليهم. وفي بعض الحالات يطلب المجلس اعداد ملف عن الموضوع محل الشكوى من قبل ثلاثة خبراء محلفين ومعترف بهم لدى المحاكم التونسية.
و في بعض الحالات يستلزم الامر تدخل قسم المراقبة الطبية بوزارة الصحة لاجراء مراقبة على مكان الخطأ ، نظرا لانه ليس من حق مجلس العمادة الانتقال الى موقع الخطأ، وانما يتطلب الامر توجيه طلب الى الوزارة لتقوم بعد موافقة الوزير بارسال متفقد من منظوريها ليقوم بالاطلاع على مكان وظروف التدخل الطبي الذي ادى الى حصول الخطأ محل الشكوى.
ثم و بعد سماع الطبيب او الاطباء المتهمين ، تقوم العمادة بدراسة الملف في جلسة عادية لمجلسها الذين يضم 16عضوا، وبعد اقل من ثلاثة اشهر, وفي حال ثبوت الخطأ يحال الطبيب على مجلس التأديب الذي عادة ما يسند اليه عقوبة تتراوح بين الانذار والشطب النهائي من سجلّ الاطباء
الإخلال بالقواعد
ويتكون مجلس التأديب عادة من مجلس العمادة المعنية بمساعدة مستشار قانوني يعينه هذا المجلس ولا يشارك المستشار القانوني في التصويت, ويجتمع مجلس التأديب بمقتضى قرار من المجلس الوطني للعمادة في جلسة مغلقة بناء على دعوى من وزير الصحة العمومية , أو الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف بتونس أو أحد أعضاء المجلس الوطني للعمادة.
ويكون النظر في الاخلال بالقواعد المنصوص عليها بمجلة نظام الواجبات من اختصاص مجلس التأديب وذلك مهما كانت صفة ممارسة الطبيب او طبيب الأسنان واما فيما عداها من الأخطاء فانه لا يمكن احالة الأطباء او اطباء الأسنان المكلفين بمرفق عمومي على مجلس التأديب عند ارتكابهم لمخالفات اثناء مباشرتهم لمهامهم المذكورة الا بطلب من الادارة , مع الإشارة الى انه بامكان مجلس التأديب سواء بطلب من الأطراف المعنية او بمبادرة منه ان يأذن باجراء بحث في كل واقعة يكون الاطلاع عليها مفيدا للتحقيق في القضية ولا تفرض اية عقوبة تأديبية دون الاستماع الى الطبيب المتهم .
رأي القانون
كيف يتعامل القانون التونسي مع الاخطاء الطبية ؟ هذا السؤال طرحناه على المحامي عبد الحميد بن مصباح، قال: ان القانون التونسي مازال قاصرا في مواجهة ظاهرة الاخطاء الطبية التي ما انفكت تتسع ، و اضاف ان القانون التونسي خص مسؤولية الطبيب كجريمة افشاء السر المهني ببعض الفصول في القانون الجزائي.
وتتعلق بالمسؤولية عن القتل غير المتعمد و الجرح غير المتعمد بصفة عامة ، اما من الناحية المدنية فيلاحظ غياب اطار تشريعي يخص مسؤولية الطبيب ، ما جعل فقه القضاء يلتجيء الى تطبيق القواعد العامة بالمسؤولية العقدية والتقصيرية وخاصةالفصلين 82 و 83 من مجلة الالتزامات و العقود التي تقتضي قيام ثلاثة اركان لقيام المسؤولية وهي الخطأ والضرر والعلاقة السببية.
وتحديد مستوى الخطأ الطبي و نطاقه يتم اعتمادا على مجلة واجبات الطبيب التي تضمنت في الفصل 31 وما يليه تحديدا لواجبات الطبيب في العلاج و المحافظة على السر المهني ,واشار الى أن المحاكم المدنية تنظر في القضايا المرفوعة ضد الاطباء و المصحات و المشافي بعد الاستعانة بخبراء محلفين للتحقق من الخطأ و اسبابه و نتائجه و الظروف التي تم فيها .
و كان قد صدر عن المركز الجامعي للدراسات القانونية و القضائية بتونس كتاب المرجع في القانون المقارن المسؤولية القانونية والاخلاقية في المجال الطبي والصحي , للدكتور ايمن عبد الزراق الجبالي الاستاذ بالمدرسة الوطنية والدكتور في القانون و الطب و المتخصص في جراحة القلب .
يقول سعيت الى أن اتناول ملف الاخطاء الطبية بنظرة شمولية ,حيث اهتممت بمسؤوليات مختلف الاطراف الاقتصادية والادارية والصحية والطبية والاجتماعية في تقليص نسبة الاخطاء الطبية ,وتحسين صيغ التعامل بين مختلف الاطراف في صورة حصولها، في محاولة لبناء جسر تعاون وتكامل بين الطب والقانون ، وبين المرجعيات الثقافية والاخلاقية من جهة .
والقانون ومواثيق الشرف من جهة ثانية، كما تناولت مسؤولية الاداريين والسياسيين والاقتصاديين في الوقاية للحد من فرص حصول تعقيدات صحية للمرضى. قد تفسر لاحقا بالخطأ الطبي الذي قد يكون خطأ مزعوما وليس حقيقيا.
والمطلوب التنسيق بين مختلف الاطراف لتحقيق التكامل وضمان حقوق المريض وتعويضه عن الضرر في صورة حصوله، ومساعدته على الانطلاق مجددا في حياة طبيعية، كما ينبغي حماية الاطباء وتقدير عملهم ومكانتهم العلمية والاجتماعية مع حث الاطراف المسؤولة في القطاع على تطوير المؤسسات التي تؤدي الى ضمان النجاعة الطبية في البلاد. وعلى المرضى وعائلاتهم والمحامين والقضاة وعمادة الاطباء الاطلاع على القوانين أولا.. لضمان نجاح الدعوى والتعويضات المناسبة في الوقت المناسب..
جمعية خاصة
في مايو من العام الماضي صدر بالجريدة الرسمية , قرار تأسيس الجمعية التونسية لمساعدة ضحايا الاخطاء ، ويقول مؤسسها المحامي صابر بن عمار لقد بعثت الجمعية في العام 2004 و لكنني منعت من ممارستي النشاط فيها ، و لم احصل على الترخيص الا بعد الثورة ، عندما تم اعلان الجمهورية بحكم قضائي صادر عن محكمة الاستئناف بتونس العاصمة ، كان كافيا لكسر الجمود الذي احاطتنا به وزارة الداخلية لمدة اكثر من 10 اعوام ».
و لا يخفي بن عمار ان « هناك لوبيات للأطباء في كل الدول العربية ترفض ان تتأسس اية جمعية او منظمة تسائلهم عندما يرتكبون الاخطاء في حقوق المرضى » و يرى ان هناك فرقا بين الخطأ الطبي و الغلط الطبي ، فالخطأ هو الناتج عن الرعونة و الاهمال و عدم الالتزام بالواجب الطبي في حين ان الغلط عادة يكون بعدم الوصول الى النتيجة برغم وجود الالتزام لدى الطبيب».
سوريا.. الأخطاء بين مفهوم القضاء والقدر والمحاكمة أمام القانون
المريض، أمانة بين يد الطبيب بفضل العلاقة الإنسانية والأخلاقية بينهما قبل أن تتحول إلى دعوى قضائية، الا ان مسلسل الأخطاء الطبية لايزال مستمرا في سوريا التي يكون المتهم الأول فيها القضاء والقدر من وجهة نظر الطبيب المخالف لقواعد الطب، بينما يرفض أغلب الناس شعار أن الطبيب إنسان والإنسان بعادته يخطئ، أما المريض "المتضرر" فيمتنع عن ملاحقة الطبيب المهمل خوفا من تجريده من مزاولة المهنة وبالتالي وقوع آخرين كضحايا جدد.
وفي أحدث التقارير التي صدرت عام 2010 عن وزارة الصحة السورية، اعترفت المصادر الرسمية بوجود حالة وفاة واحدة على الأقل يومياً في احد المستشفيات الخاصة أو العامة نتيجة الإهمال أو ضعف الخبرة أو نتيجة الخطأ في التعامل مع التجهيزات الطبية.
ويروي لنا عماد مصطفى "29" وهو من مدنية حلب، عن مأساة وفاة أخيه حسام بسبب خطأ طبي قاتل، وكان يعمل في محل البطاريات، واعتاد أخذ جرعات شهرية لتقوية مناعة الجسم ضد رائحة المواد الكيماوية، وعندما ذهب لأخذ الدواء، اتضح أن الطبيب المشرف على مداواة العاملين أخطأ في تركيب خلطة الجرعة ما أدى لوفاته، ومع ذلك امتنعت اسرته عن رفع دعوى قضائية بحق الطبيب.
ويؤكد معاذ" انه قد تم استئصال الشرايين وتقطيب مكان الألم، وبعد مضي يومين من إجراء العملية توقف فجأة مسار جريان الدم في معظم أوردة ساقه وتحول لون قدمه إلى اسود قاتم فضلاً عن التورم والانتفاخ والالتهاب. لكن الطبيب ادعى حجة انتقال العدوى إلى أجزاء أخرى من الساق، وطلب إجراء عملية أخرى، وفتح ثلاثة ثقوب في العظم، وبالرغم من سلسلة العمليات المتتالية تدهورت حالته الصحية، والآن لم يبق أمامه سوى بتر ساقه لأنهم وقعوا في خطأ، عدم تشخيص الحالة كما يجب منذ البداية.
ومن جانبه، وصف الدكتور ممتاز الشايب رئيس مركز مجمع العلوم النفسية بدمشق الأخطاء الطبية بأنها آفة مؤسساتية وليست فردية، موضحاً أن مديري المشافي يتهربون من المسوؤلية الإنسانية حيال المريض نتيجة غياب أجهزة الرقابة الصارمة، ويتصرفون بمزاجية ولامبالاة.
معتبرا انه من أجل زيادة فاتورة المشفي يرجع الكثير من الأطباء حالات الاكتئاب والاضطرابات عند المريض إلى الحالة الجسدية والتي تكون أسبابها الحقيقية نابعة من عوامل نفسية واجتماعية. مشيراً "معظم الأطباء باتوا يتعاملون مع المريض وكأنه "الزبون" التجاري وهذا يخالف قواعد المهنة الإنسانية".
وقال الشايب من الصعوبة حصر الأخطاء الطبية بجانب التقني أو الفني أو المادي بل هي مجموعة من العناصر المتداخلة، ويطغى عامل الخبرة والكفاءة على كل الجوانب لأن الذي يملك الخبرة حتى إن كان يفتقر إلى أدوات حديثة يكون قادر على تشخيص وضع المريض بشكل جيد عدا عن معرفته كيفية تصريف الأدوية حسب الحاجة، مضيفاً أهم خطأ يقع فيه الطبيب هو عدم مقدرته على تشخيص «الحدّي والأساسي».
وبناء عليه يتم تصريف الأدوية، عدا عن تفشي ظاهرة التطفل على الاختصاصات فيتناوب على سبيل المثال طبيب الجلدية بدلاً من الداخلية، مطالباً بضرورة وجود قواعد حازمة في معاقبة الأطباء الذين يرتكبون الأخطاء القاتلة في مهنة الطب.
البحرين.. قانون للحد من الأخطاء يرى النور قريباً
يسود اتجاه في معظم دول الشرق الأوسط على استخدام العقاب كوسيلة لمنع أو تقليل الخطأ الطبي نظراً لانتشار ظاهرة غير صحية وهي التستر على الخطأ، ما يعطي انطباعاً بندرة حدوثه، كما أن نقص الخبرة الفنية من جانب أعضاء الفريق الطبي، سواء كان الطبيب أو الممرض أو الفني أو الإداري يؤدي لاستفحال الأخطاء. ودعا النائب البحريني عبدالحليم مراد عضو كتلة الأصالة إلى أهمية التفريق بين الخطأ الطبي والإداري، الذي يتعلق بتأخير إدخال المرضى في قسم الطوارئ، وهو ما يجب معه المحاسبة والرقابة على أداء الطاقم الطبي الذي يعمل على تلك الحالات.
مؤكداً أن البحرين مازالت تفتقد إلى قانون لمحاسبة من يخطئ من الأطباء بحق المرضى، ما يعني وجود فراغ تشريعي. وأوضح ان الكتلة كانت قد تقدمت باقتراح عام 2007 حوله، وأصبح الآن مشروعاً بقانون وسيرى النور قريباً.
من جانبه أرجع الدكتور بهاء الدين فتيحة الرئيس التنفيذي للهيئة الوطنية لتنظيم المهن والخدمات الصحية، الأسباب التي تؤدي إلى حدوث الخطأ الطبي في المملكة، إلى غياب السياسات الصحية الهادفة إلى المعالجة، فحتى هذا اليوم لايزال الخطأ الطبي يعامل على انه خطأ بشرى، بل وخطأ الطبيب بمفرده، في حين أن الاتجاه العالمي يدعو إلى مراجعة الأنظمة الصحية لمعرفة الأسباب الحقيقية للخطأ.
وأضاف من غير المعقول تعريف الخطأ بأنه خطأ الطبيب، حيث ان الخدمات الصحية تقدم من خلال فريق متكامل، فنقص الخبرة المطلوبة في استخدام الأجهزة الطبية الحديثة وراء الظاهرة، حيث تقوم المستشفيات والعيادات باقتناء تلك الأجهزة دون تدريب كاف على استخدامها.
وأكد أن وجود بيئة ايجابية تشجع العامل في القطاع الصحي تعتبر من أهم عوامل تقليل الخطأ، كما أن ربط الخطأ الطبي بتواضع الرواتب ليس له ما يؤيده من إحصائيات، أما ندرة الإمكانات فإن لها دوراً في حدوث الخطأ الطبي، كما أن قلة التدريب على الأجهزة الحديثة يمكن أن يكون له تأثير أكثر خطورة من غياب تلك الأجهزة.
لكنه أكد أن هجرة العقول من الكفاءات ذات المستوى الرفيع والخبرة الطويلة لها تأثير سلبي على الأداء، ليس فقط في تقديم الخدمات الصحية ولكن في التعليم والتدريب ولهذا فإن الاحتفاظ بتلك الكفاءات له تأثير ايجابي بعيد المدى على الخدمات الصحية، وفقد تلك الكفاءات سيكون له تأثير سلبي على المدى الطويل.
وعن الأخطاء الأكثر إثارة للجدل أوضح أنها المتعلقة بعمليات التجميل، فهناك صعوبة في التوفيق بين ما يطلبه المريض، وما يمكن أن يحققه الطبيب، وفي محيطنا الآن اتجاه متزايد لرفع قضايا تتعلق بالأخطاء الطبية، نظراً لزيادة معرفة المرضى بنوع الأمراض وسبل علاجها من خلال الاطلاع على ما تبثه الشبكات العنكبوتية، وهو أيضاً امتداد للاتجاه العالمي.
الشفافية مطلوبة
من جانبه قال أخصائي العيون الدكتور عيسى المطوع: ان هناك مضاعفات تحدث للمريض بسبب التشخيص، وشرح خطورة إجراء العملية للمريض وذويه أمر مهم واطلاعه على مدى نجاحها ونسبتها بكل شفافية حتى يكون على علم تام في حال حدوث أية مضاعفات.
فلسطين.. المريض دائماً الضحية والعقاب غائب
أصبحت قضية الأخطاء الطبية ظاهرة في جميع أنحاء العالم وليس فقط بالمستشفيات الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهناك عدد من الضحايا الذين فقدوا حياتهم أو أصيبوا بإعاقات وتشوهات دائمة رغم غياب الإحصاءات الرسمية الدقيقة لعددهم، والأمثلة والشواهد الحية كثيرة عن الضحايا الذين ماتوا نتيجة خطأ طبي أو إهمال أو خطأ في تشخيص حالتهم الصحية.
وتسبب فيها أطباء أو ممرضون وممرضات، جراء الإهمال وسوء التقدير أو ربما لضعف الكفاءة، وحقوقهم ضاعت في ظل صعوبة إخضاع الطبيب للمساءلة وعدم القدرة على إثبات ارتكابه للخطأ الطبي.
حاولنا على مدار أسبوع إجراء لقاء مع وكيل وزارة الصحة الفلسطينية الدكتور عنان المصري للتعليق على هذه القضية ووعدنا بالحديث إلا انه اعتذر في النهاية.
التقت "البيان" مواطنين في الضفة الغربية وقد اعتبروا مسألة وجود أخطاء طبية وعدم الإعلان عنها، أو الحديث فيها بتكتم شديد، يوحي إليهم بأن لجان التحقيق الطبية تكون محدودة التأثير بسبب أن المحققين غالبا أطباء ويكون من الصعب عليهم إدانة زميلهم الذي ارتكب الخطأ.
ولا تقتصر قضية الأخطاء الطبية على عدم وجود قانون يحكمها ويوضحها، بل إن القانون غائب عنها، خصوصاً أن قانون العقوبات المعمول به في الأراضي الفلسطينية لا يتطرق إلى هذه الحالة، فالقوانين المعمول بها قوانين مصرية في غزة وأردنية في الضفة، ولم ينجح المجلس التشريعي السابق في إقرار أي قانون علماً بأن المجلس الحالي معطل منذ الانقسام الفلسطيني عام 2007.
الدكتور حسن خريشة نائب رئيس المجلس التشريعي تحدث قائلا: لقد كان هناك نقاش خلال المجلس التشريعي الأول الذي تم انتخاب أعضائه عام 1996، حيث عقدت سلسلة لقاءات برلمانية من أجل إقرار قانون الأخطاء الطبية، وكيفية التعامل معها، ولكن لم يتم التوصل إلى صيغة توافقية وانتهى الأمر كذلك، والمجلس الحالي معطل .
ولم يتم إقرار أي قوانين جديدة، ومن غير المعقول إبقاء الأمور على ما هي عليه فيجب تأسيس صندوق تأمينات للأخطاء الطبية ويجب إقرار قانون فلسطيني بهذا الخصوص. وأشار إلى أن كل ما يتم في حالة وجود خطأ طبي هو تقديم شكوى لوزارة الصحة ولنقابة الأطباء، وعادة ما يتم بعد تشكيل لجنة تحقيق من هذه الأطراف وتقديم نتائج تحقيقاتها تحميل مسؤولية الخطأ لطبيب عام، أو ممرضة، لافتا إلى أن هناك عددا من الأطباء لا يتعاملون مع الأخطاء الطبية بمهنية.
ويرجع المحامي نزار العبد، أسباب عدم تغيير قانون العقوبات أو إقرار قانون الأخطاء الطبية، على الرغم من مرور أكثر من 17 عاماً على قيام السلطة الفلسطينية، إلى عوامل أهمها أن مشروع القانون في المجلس التشريعي والذي تم تناوله وطرحه والمشاركة في إعداده من قبل مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية وحقوقيين، وتم عرضه للنقاش والمداولة، كان قد واجه معارضة كبيرة على بنود عدة من قبل الأحزاب والفصائل.
عائلة الطفل مجد ناصر 12عاماً من أحدى قرى محافظة رام الله لاتزال تحمل الطبيب الذي أجرى له عملية في يده اليمنى بمستشفى في رام الله قبل ثلاثة أعوام المسؤولية عن الإعاقة التي تسبب بها في أصابع يده جراء انقطاع أحد أوتارها، وتطالب بمحاسبته، لكنه مازال يعمل داخل المستشفى، دون أن يتم اتخاذ أي إجراء بحقه، حيث لم تستطع العائلة جراء فقرها .
كما تقول والدته لـ "البيان" توكيل محام للمطالبة بتطبيق القانون بحق الطبيب المخطئ، وقد اتصلت عائلة مجد بالطبيب لكنه رفض الإقرار بمسؤوليته عن الخطأ ودفع التعويض للعائلة.
الدكتور خالد قادري مدير الصحة ورئيس لجنة نقابة الأطباء في مدينة نابلس قال ان من يستطيع تحديد الخطأ الطبي أو المضاعفة أو الإهمال للمريض هو اللجان الطبية الممثلة بوزارة الصحة ونقابة الأطباء، لافتا إلى وجود وحدة شكاوى بوزارة الصحة تتبع الوزير مباشرة، وفي حال حدوث خطأ طبي تقوم نقابة الأطباء ووزارة الصحة بتشكيل لجنة من أطباء على أن يكونوا من خارج المحافظة التي وقع فيها الخطأ للمهنية والحياد وإعطاء نتائج موضوعية، ويقومون بعدها باستخلاص العبر ونتائج التحقيقات.
وأضاف ان هناك العديد من القضايا التي تحول إلى المحاكم الفلسطينية والتي بدورها تقوم بردها إلينا لنعطي رأينا فيها حيث تقوم المحاكم بالتشاور معنا في ما شاهدنا من وقائع وما يمكن عمله.
العراق.. أخطاء دكاترة تقود للتهجير والقتل
لا يوجد أحد يتعمد الخطأ، وخاصة في مجال الطب، الذي تتوقف عليه حياة الإنسان، ولكن الخطأ الأكبر هو في تعرض الطبيب في العراق للاعتداء، وحتى القتل، في حال فشله بمعالجة حالة ما، أو وفاة مريض، نتيجة مضاعفات جانبية، أو سوء فهم، أو إعطاء المريض نفسه أو عائلته، معلومات خاطئة عن الحالة المرضية.
ومعروف عن الطب في العراق، تطوره الذي لا مثيل له في المنطقة كلها، بل أن الأطباء العراقيين اشتهروا دوليا، وهم مفضلون في معظم بلدان العالم، ربما باستثناء بلدهم، الذي لم يعر هذه الشريحة المتطورة المتنورة الاهتمام اللازم، فكان مصير اغلبهم، وخاصة الأكثر كفاءة منهم، ترك الوطن مضطرين، بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة، ومن ثم الظروف الأمنية القاسية، التي منعتهم عن العمل، وتعرض الكثيرين منهم للاختطاف والابتزاز والقتل.
وحسب مدير مستشفى الفردوس، مصطفى العاني، إن العراق، برغم الظروف المأساوية، مازال زاخرا بالكفاءات الطبية العالية، التي تزاول أصعب المهام، متحدية الصعوبات والمخاطر، وشح المستلزمات، التي يتم توفير ما يتيسر منها بشق الأنفس,
ويضيف: إن الإهمال المقصود للمستشفيات والمراكز الصحية الحكومية، لم يبق فيها من الأطباء الأكفاء، إلا ما ندر، فيما تنتشر في الضواحي العديد العيادات الطبية للخريجين الجدد، الذين يفتقرون إلى الخبرة المطلوبة.
ويرى الدكتور خالد صالح فوزي اختصاص أطفال وباطنية، في مستشفى النعمان بالاعظمية، أن "هناك أسبابا رئيسة للأخطاء التي يتورط بها الأطباء، ويدفع ثمنها المرضى، في مقدمتها تلك الناتجة عن جهل الطبيب وافتقاره للكفاءة والخبرة اللازمة للتعامل مع الحالة وتشخيصها، أو إجراء العملية الجراحية المطلوبة، فكثيرا ما يتدخل بعض الأخصائيين في المستشفيات بحالات ليست ضمن اختصاصهم، وقد يخاطرون بالتدخل الجراحي على الرغم من أنهم غير مؤهلين له، كما أن إمكانات المستشفى لا تسمح بذلك.
هجرة الاطباء
ويعزو الدكتور خالد الخزرجى/أخصائي قلبية وباطنية/ ازدياد أخطاء الأطباء إلى الظروف التي مرت بها شريحة الأطباء، كون معظمهم كانوا عرضة للخطف أو التهديد، وأجبر الأطباء الجيدون على اخذ أجازات طويلة والسفر إلى الخارج، حيث خسرنا أطباء ذوي سمعة كبيرة أثرت بشكل كبير على الخدمة الصحية، وفضلا عن خسارة الأطباء فإن أعدادا كبيرة من العراقيين يضطرون للسفر إلى الدول المجاورة لتلقي العلاج لبعض الحالات المرضية التي قد تكلف المريض آلاف الدولارات.
ويستعرض الدكتور محمد عبد الرحمن الراوي المعوقات التي تواجه عملهم كأطباء، مبينا أن "هناك مستشفيات عديدة بحاجة إلى المصاعد لنقل الخدمات، والحاجة إلى الأوكسجين والمواد التخديرية والتحاليل، والحاجة إلى الحاسبات، وإمكانيات تطوير الكوادر الإدارية والمالية والفنية، ومن معوقات عملنا الأخرى النقص في الأطباء الاختصاص جراء الظروف التي تعرض لها الأطباء.
نحن نطمح أن يتطور النظام الصحي في العراق وتتحسن الرواتب لكي نضمن بقاء العاملين في المستشفيات الحكومية وتحسين أدائهم وعدم التسرب إلى المستشفيات الأهلية، وإشراك العاملين من الأطباء والكوادر الصحية في دورات تأهيلية تتماشى مع التطور الحاصل في مجال الطب في العالم، من الناحية الصحية والتقنية.
اعتداءات وتهديدات
وحسب موقع الاتحاد العام للنقابات، أن الكثير من الأطباء في العراق يتعرّضون لاعتداءات وتهديدات في حال حدوث أخطاء طبية أثناء العلاج والعمليات الجراحية، أو حتى إذا ما توفّي المريض من دون أن تكون هناك أخطاء من الطبيب، ويضطر بعض الأطباء إلى دفع فدية إلى أهل المتوفى، فيما يضطر آخرون إلى الهجرة.
وقد اضطر الطبيب العراقي هيثم حسين إلى مغادرة العراق، بعدما تعرّض لتهديدات من مواطنين، بعد عملية جراحية أجراها، وتسببت في وفاة مريض عام 2009.
ورغم أن قانون حماية الطبيب يتيح له حماية كافية في مثل هذه الحالات، إلا أن ذلك يبقى عديم الجدوى أمام القيم الاجتماعية والعشائرية، التي تطالب الطبيب بتعويضات مالية في حالة الخطأ في المعالجة الطبية، تفوق قدرته في الكثير من الأحيان.
فوضى قانونية
ويرى الطبيب علي، صاحب من مستشفى بابل، أن الكثير من الأطباء يخشون إجراء العمليات الجراحية الحرجة، بسبب تعرّضهم للتهديد بالقتل في حالة فشل عملية ما.
في ظل سيادة الفوضى القانونية، ونقص الوعي بالحقوق والواجبات، يتضاءل دور الطبيب في علاج المرضى، وتصبح العملية مرتبطة بظروف سياسية واجتماعية، فقد تقود العمليات الجراحية إلى نتائج غير متوقعة، خارج إرادة الطبيب، الذي يسعى إلى شفاء المريض، لكن الذي يحدث هو أن أهالي المريض يرجعون سبب الوفاة إلى خطأ الطبيب، وليس إلى سبب آخر.
وبحسب إحصاءات وزارة الصحة، فإن نحو عشرين ألف طبيب من اختصاصيي الكسور غادروا العراق منذ عام 2003، وتُقدر منظمة الصحة الدولية توفر أقل من 7 أطباء لكل عشرة آلاف من سكان العراق.